إذاعة ولاية شمال كردفان

منتديات إذاعة ولاية شمال كردفان منتديات ثقافية إجتماعية رياضية عامة تهتم بشأن ولاية شمال كردفان في شتى المجالات
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 السفر إلى الصعيد (حكايات)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو الأضواء



المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 26/11/2011

مُساهمةموضوع: السفر إلى الصعيد (حكايات)   السبت نوفمبر 26, 2011 4:28 pm

السفر إلى الصعيد
إحداثيات الإنسان والمكان


الضو عمر حامد (أبو الأضواء)

الذهاب إلى الصعيد لم يكن سفراً مقبولاً..
الوصول إلى هناك رحلة شاقة تبدأ من الجامع الكبير.. تمتطي اللوري "التيمس".. مروراً ببيت العمدة الزين وسوق ود عكيفة حيث يتوقف لتركب الحاجة التي تبيع اللبن والسمن البلدي بعد أن ساعدها المساعد في رفع "الجركانات".. إنها دائماً تسافر لإحضار اللبن والروب والسمن..
لقد جربت السفر باللواري عدة مرات.. وكانت المرة الأولى إلى "أم رماد".. وصلتها وحس النوبة يرن.. سألت حبوبة.. النوبة دي عشان شنو.. قالت النوبة بتقول:
"عبد الله خزق" سكرنا كمل.. من "عبد الله خزق" هذا؟ لا أعلم، ولكن يبدو أن له يداً في الموضوع.. لم تحدثني عن الرجل.. ولكنها حدثتني عن الخواجة الذي كان يحب ملاح "أم بُلط" الذي كانت تجود به عليه ورفاقه، وعباراته التي يرددها دائماً "YES وNo وإذا كان دلوقتِ".
مكثتُ السبع أيام العجاف ورجعت إلى الأبيض لا أحمل من الذكرى غير "القرع البرّي" الذي كان متدلياً من أعلى القطاطي وكأنه عقد "نُقار" على صدور نساء الكون في ذلك الزمان..
ركبت الحاجة.. وبدأ لوري الصعيد يتحرك، ونظرت إلى الوراء فشاهدت المساعد يجري ويلحق بنا ويركب متربعاً على "التندة" -الناس حرموني أبيع المنقة واللوري مسافر ركبوني التندة-.
وتستمر الرحلة صوب سوق أبو شراء ومن هناك تبدأ الأبيض في التضاؤل شيئاً فشيئا، وعند شركة أدكو أخذت الأبيض تختفي رويداً رويدا.. وكان آخر ما ابتلعته المسافة برج الإرسال..
وبدأت المشقة.. والخج و"طراش الشفع".. ياااااااه..
"يا بت أمي ما عندك ليمونة"..
دقيقة أشوفها ليك.. أعصري ليهو قلبو..
أربع ساعات واللوري يخج ويقوم ويقع، واستراحة كازقيل لم تجدِ نفعاً.
وصل اللوري الصعيد.. يالله يا جماعة تموا المسافة الباقية برجليكم.
يعني ما كفى العذاب الشفناهو.. لسه ما شفنا حاجة؟!!
حل الظلام على "البركة المدينة".. ويممنا غرباً صوب قرية صغيرة.
الطريق وعر.. قالت رفيقة على الطريق تود الذهاب إلى نفس القرية:
"أعملوا حسابكم من الدبايب.. قبل يومين ود حسن طلعوا مِنو سنين.. لو شفتوه لمن لونوا اتقلب وعيونوا ديل.. بقن بُيُض.. أنحنا قلنا الولد بموت، ودّوهو للفكي عزم ليهو حتى قام".
دب فينا الخوف من الحكاية.. انتِ كنت راجيانا عشان تحكي لينا قصتك دي؟ ما كنتي تمشي الحلة من بدري.
طبعاً كانت في السوق ولمن سمعت بينا جايين قالت أحسن أنتظر الجماعة أوصلهم، ولا يمكن عندهم حاجة أشيلها معاهم.
تبعناها وهي كالدليل.
سمعنا ما سمعنا من الحكاوي.. العيش "الفسخ"، وحبال البطيخ "المددت" وملت الأرض، والسمسم "الدفق" الغلب اللقاط.. ما شاء الله..
وقالوا في مرة من المرات كان جدي زارع الحقل في البكور.. وكان عيشه الدهر "تبش" أخضر.. ملأ فضاء الزرع وتغول على سيقان الدخن.. في يوم مر به أحد الناس يركب حماراً، فدعاه جدي ليأخذ معه ما يقدر على حمله من "التبش" فرفض الرجل مواصلاً سيره، فما كان من الجد إلا أن ملأ يديه وأفرغهم في "الخُرج" ثم مرة ثانية وهكذا والرجل لم يتوقف عن المسير.. حتى حمل من "التبش" الكثير دون رضاه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبو الأضواء



المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 26/11/2011

مُساهمةموضوع: رد: السفر إلى الصعيد (حكايات)   السبت نوفمبر 26, 2011 4:30 pm

لاحت القرية من بعيد، اللمبات "ونسيني" المنورة من خِلال "خَلال" بيوت القش.. ومن طاقات الدرادر.
طفق الخلق في استقبال القادمين كما تلقاك دون الخلد ريان.. وكل واحد عاوز يسلم قبل التاني.. ترحيب شديد.. يا سلام على ناس بلدي.
داخل البيت.. أصوات السلام.. ومن بين الأصوات صدح أو بالأحري ناحت دجاجة.. بعد أن أطبقت كف متمرسة بإمساك الديوك الفرنسية من الحبل بسيقان ديك إسماعيل.. وصوت جهور:
أذبحوا الديك للضيوف.
وإسماعيل لم يكن يدري أنه ذهب لإحضار الزيت لطبخ الديك الذي يفاخر به بين دجاج الحلة..
أعملت السكين على رقبة الديك.. وبعد دقائق معدودة فاحت رائحته من النار..
وجلس الضيوف على أسِرّة فُرشت بملايات الطاؤوس التي لم تُفرش إلا يوم العيد، ووُضعت المائدة.. مكللة لحماً مدفقةً ثردا.. والتف الناس.. وصار الديك في عُرف المائدة كظهرة الليدو في "قيم" فيهو خرخرة شديدة. ولم ينفع همس كبيرهم: خلوا اللحم للضيوف. وما كان منه إلا وقد أنقذ وركاً وقدمه لأحد الضيوف.. "شيل دقاق النوبة ده". وراح الديك في خبر كان مُصْدَراً ومُوْرَكاً ومُجْنَحاً.
الليلة قمراء.. والقرية عذبة كالطفولة كالأحلام.. وهناك الصبية تجمعوا حول كوم "الكركدي" لنقايته، وكان المجلس أمام الخلوة، أشعِلت نار الحطب بعيدا.. وبدأ مشوار الحكاوي.
قطر الغرب "المشترك" يمر عبر الحلة الصغيرة الوادعة "هيهات هيهات.. لا جن ولا سحرة..بقادرين على أن يجدوا له الآن أثرا".. وما أن تأتي خبرية من أحد عمال الدريسة بقرب مرور القطار حتى تتهيأ النساء والأطفال ويجهزن منتوجات البلد من "أبونضبايا" والتبش والفريك والفول المدمس والمركب والتسالي والسمسمية، ويذهبن صوب المحطة.
الركاب يشترون كل شيء، ويدفعون بسخاء..
ومرّ القطار ولم يحمل معه أحداً من الأحباب.. عادوا جميعاً ومعهم من الجنيهات ما يسد الحاجة من السكر والبن والدقيق..
هذا القطار كم قضى على حمير وشياه الحلة.. لا كما قضى الراعي على حماره المسكين "الحرّان" في واحدة من "حرناته" دفع بصاحبه أن يستل سكينه ويسدد له عدة طعنات مدمية وعاد الراعي إلى الحلة يحمل ما كان يحمله الحمار.
معظم أهل الحلة من الرجال والصبية يعملون بالسكة الحديد، وحتى المنازل تجد فيها عند كل زاوية أثراً لمخلفات الحديد التي تأتي من قضبان السكة وعربات القطار التي سقطت على جانبي سكة القطار..
هذه السكة التي صنعها الخواجة كم تستمتع وأنت تستمع للحكاوي عنها، فقد نقلت الكثير من أهل الغرب وأهل الجنوب للخرطوم.. وتذكرني جدتي بأن الرئيس "عبود....مر من هنا" ولكنه لم يهد أحداً خلاطاً ولا تلفزيون..
وكان يلوح لأهل القرية وخرجوا لتحيته وهو كذلك يلوح لأهل القرى على الطريق حتى وصل إلى الغرب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبو الأضواء



المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 26/11/2011

مُساهمةموضوع: رد: السفر إلى الصعيد (حكايات)   السبت نوفمبر 26, 2011 4:31 pm

شباب القرية مالهم هم غير الذهاب إلى الزراعة في الصباح "الضحوة" والعودة بعد الظهر ثم الذهاب مرة أخرى في "سربة" وهناك عرفت معنى السربة التي كنت أسمعها في غناء عبد الرحمن عبد الله "زولاً سرب سربة.. خت الجبال غربا".
وحين المكوث بالبيت لا ترى إلا دخاناً يتصاعد من "لدايات" أمات العيال بعد حضورهن محملات بالحطب.
طلعت العصيدة وأظن أنها ليست العصيدة التي أعرفها.. أم التي عندنا لا تستحق الاسم. تمرَّغت الأيادي داخل الصحن الكبير و "نجرت" وقُضي الأمر.. وتبقى أن تسمع صوت لعق الأصابع واحداً تلو الآخر، وتحس بشعور الارتياح يكتنف المكان.. ومُسِحت الأيادي ببعضها ترشيداً للماء.. أو لبقاء النعمة أطول وقت ممكن بالأيادي الكادحة.. وعرفت حينها السر وراء وضع اليد على الوجه أغلب وقت الجلسة.. لا لشيء سوى التزود من رائحة الأكل الشهي كل ما مرت خاطرة وجع أو ذكرى تعب "الحشاشة والتيراب".
هذا حال الشباب في الخريف.. وفي موسم الحصاد.. فماذا يفعلون في الصيف؟! سألناهم وحملنا لهم الإجابة.
أيها الشباب الكادح.. من حقكم في الصيف أن ترفهوا عن أنفسكم ولو بقليل من لعب الكرة أو إقامة نادي يجمعكم تلتقون فيه بدل الجلوس في داخل البيوت وفيه تجتمعون على كل أعمال الخير لأهلكم في أفراحهم وأتراحهم.. كانت الفكرة جميلة لدى الشباب.. ولكن ما لم نحسب له حساب هو ما جاء من أحد كبار القرية: "عاوزين تعملوا نادي؟!!! انتو عاوزين تخربوا الأولاد ولا شنو؟! حاجات المدينة دي ما تجيبوها لينا هنا.. خلوا الأولاد في زراعتهم..
أصيب الشباب بخيبة أمل.. عليهم السمع والطاعة.. حيث أن القرية كلها "أمك وأبوك"، إذا نطق أحد الكبار أجاب الكل بالسمع والطاعة.
الحسان بالحلة يبذلن من الجهد ما يظهرهن أمام الضيوف بمظهر مقبول.. ويمنعهن من المبالغة نظرات الأهل الذين لا يتورعون من زجرهن إذا نطقن أو رفعن أعينهن.

ليس ما يمنع من أن تقيم الفتيات حفلاً بمناسبة قدوم ضيوف المدينة.. فالكل في القرية يتبارى لإكرام الضيوف بما عنده.. والآن جاء دور الفتيات لا سيما أن مع الضيوف شباب وأولاد في عمرهن.
قبل غروب الشمس تم إعداد المكان، وبدأ الليل يسدل ستاره فأضيئت "رتينة" محمود صاحب الدكان بعد تنازله عنها في ذلك اليوم بعد أن اشترط على الشباب أن تعود إليه سالمة. وبدأت الوفود تأتي من القرى المجاورة للمشاركة في الحفل.. حتى ضجت الساحة بالحضور بعد أن جمعوا عصيهم في خلوة نور الدين.
البنات تجمعن في جانب وبدأن ضرب "الدلوكة" فاصطف الشباب كأنهم يقلدون حركة القطار وبدأوا يتمايلون مع إيقاعات وأنغام الأغاني..
ولم يكن للضيوف ما يشاركون به غير النظر والاستمتاع بما يرونه لأول مرة..
كل العيون تختلس النظر أحياناً لتقرأ انطباع الضيوف.. كانت الابتسامة على وجوه الجميع دون استثناء.
استمر الحفل إلى منتصف الليل.. وسمعنا صوت القطار يقترب من القرية، ولكننا لم نلمح أي نية لأهل القرية للتحرك كالعادة لملاقاة القطار وتسويق مأكولاتهم ومشغولاتهم، فظننا أنهم مشغولون ها هنا بقطار آخر، ولكن الحقيقة تبينت لنا بعد ذلك أن القطار هو "قطرا لبضاعة".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبو الأضواء



المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 26/11/2011

مُساهمةموضوع: رد: السفر إلى الصعيد (حكايات)   السبت نوفمبر 26, 2011 4:33 pm

الحب والزواج في الصعيد:-
لا تترك للبنت الحرية في اختيار الشاب الذي ستتزوجه، فهناك عادات وتقاليد تغلب على الأمور كلها، لا يحيد عنها الناس.. فإن البنت تنصاع لأمر ولي أمرها، وهو الذي يختار لها العريس و"شورة العروس" لا توجد بالمعنى، يُلقى عليها الاختيار ويكون ردها: "البتشوفه يا أبوي"، فتعيش مجبرة على حال لم تشارك في صنعه.
ولكن لأخريات رأي ثاني. هذه واحدة تمردت على كل ما هو متبع.. ورفضت الاختيار المبني على المجاملة أو المال أو الصحبة.. فقالت:
الشايب مابادورا بدور سجيلي القدري
كن غريب .. كن فقري
الشايب دا .. حرام ما بلمس صدري
هذا الرفض الصريح الذي صيغ بكلمات وأصبح متداولاً في غناء المناسبات يعد خرقاً وخدشاً لمنظومة الطاعة التي قام عليها الآباء والأجداد.. وكان نذيراً لخلاف كبير قد ينشأ بين الآباء وأبناء الجيل الجديد الذي بدأ يتحرر.. مما دفع أحد كبار القبيلة يقول: "قبيل أنا ما قلت ليكم عيالكم ديل بتعلموهم درب المدينة والمدارس بجو ينقلبوا عليكم".
هذا الرأي حتى صاحبه يرى أن التعليم خير، ولكنه لا يريده أن يسرق أبناءهم منهم.
ورغماً عن هذا الرأي فإن لا خيار للبنت أمام رغبة والدها، فستكون البنت المطيعة حتى ولو تضحي بأكبر مشاريع حياتها، فتتخلى عن فارس أحلامها ولا تذكره إلا لصاحباتها فتأتي مرة أخرى منشدة:
يا حليمِيْ .. الجارة
قولي لي .. كفارة
الحبيب حرموني من دياره
سيد الخنفس أنا ببقى لي نظارة
ابن العم هو المرشح الأول لبنت عمه.. فهو بمثابة المسؤول الثاني بعد والدها منها، فلا يترك لها مجالاً لتنظر إلى غيره، فالشباب لا يعيشون حباً حتى يأتي زواجهم لأن الحب عيب كبير، ولأن القرية كلها تعيش كاسرة واحدة، إخوة وأخوات.. وإذا قامت أي علاقة بين اثنين من قريتين مختلفتين، فإن الشرارة ستصبح ناراً في يوم من الأيام بين الصبيان، وتدور المعارك التي قد تصل إلى حد يجعل الموت قاب قوسين أو أدنى.. ويتكشف ذلك في مناسبات الأعراس التي يفد إليها الشباب من القرى المحيطة، فيوسوس الشيطان بأن فلاناً من الشباب لم يأت إلا ليرى فلانة.. وهنا يبرز ابن عمها لينال من ذلك الفتى.
الطبيعة وسحر القرية يأسران الزائرين للصعيد.. الضيوف يصرون على الخروج في نزهة عصر أحد الأيام بمعية واحد من الأطفال لأن كل الشباب "سرَبوا" فكانت بين الأشجار المتشابكة التي هي امتداد لغابات شيكان التي اشتق اسمها من الوادي الشائك، الملئ بأشجار والشوك.
والتي شهدت أعظم معركة في تاريخ السودان حيث قال فيها اللورد مورس معلقاً عنها في مجلس العموم البريطاني:
" لعل التاريخ لم يشهد منذ أن لقي جيش فرعون نحبه في البحر الأحمر، كارثة مثل تلك التي حلت بجيش هكس في كردفان. حيث أفني عن آخره وقضي عليه قضاء مبرماً"
تغلغلنا داخل الغابة وأفضى بنا المسير إلى بركة ماء تنتشر حولها طيور الرهو وتعج بالضفادع..
وبجانبها الآخر يجلس راعي الغنم يغسل "عراقيه" من رهق النهار، والأغنام تهيم في البساط الأخضر تلتقط ما يعلو من الحشائش، سلمنا عليه:
يا زول كيف حالك؟ رفع يده وأنزلها ولكنه لم ينزل بصره الذي سلطه علينا مذ رآنا نقترب منه.. لعله يتساءل: من هؤلاء الذين أرادوا تعكير صفو المكان.
دنونا منه وتكلمنا معه في غير موضوع.. ماذا عسانا أن نحكي معه.. غير إننا أردنا أن نطمئنه بأننا قوات صديقة.
ورداً على حسن النية ملأ الرجل الطيب "كورة" من حليب الغنم ودعانا للشرب، فتجاوب معه البعض، والبعض الآخر تمنّع بحجة أن الحليب لم يتم غليه في النار، ولكن فات عليهم أن اللبن من الثلاث التي لا تُرَد "الطيب والوسادة واللبن".. فشربنا وناولناه "الكورة" مع الشكر والتقدير وواصلنا المسير نحو مجاهل الغابة التي قضينا فيها عصر ذلك اليوم وقد شاهدنا ولأول مرة أنواعاً من الحشرات والنباتات.. فقد كانت حقاً رحلة استكشافية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أبو الأضواء



المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 26/11/2011

مُساهمةموضوع: رد: السفر إلى الصعيد (حكايات)   السبت نوفمبر 26, 2011 4:35 pm

حال أهلنا في القرى حال المساكين الحيارى.. لا يتذوقون السكر إلا في كوب شاي الصباح "نص طعام"، ومما يتندرون به أن الشعيرية من شروط الزواج، فإذا تأكد أهل العروس من وجود الشعيرية فإنهم لا يتأخرون في مراسم العقد.
والضيف إذا أتى إلى القرية يقولون "الضيف نعمة" فإما أن يأتى محملاً بالمطايب و"الممنوعات" بحكم الفاقة والفقر، أو كان سبباً ليجتهد أهل القرية لتقديم أفضل ما عندهم من طعام واحتفالية تحيل شقاءهم إلى فرح طول أيام الزيارة.
عندما يبدأ الخريف تتحول كل المدخرات من حبوب ومال يسير إلى الزراعة، فينضب البيت عن آخره، وخارج أسوار البيت تقبع "المطمورة" بمخزونها الاستراتيجي الذي لا يدنو منه أحد ولا يفكر فيه أبداً.. ولكن حين تضيق لا يجد رب الأسرة بداً من نبشها والتصرف فيها بوجود معارضة من جميع أفراد الأسرة، ظناً منهم أن غطاءها لن يقفل إلا بعد خلوها تماماً.. مما يشكل تهديداً للأمن الغذائي بالمنزل. ولم يكن قرار والدهم اللجوء إليها إلا لمرض أحدهم أو لأمر من الأهمية ما لا يمكن تجاوزه إلا بهذه الطريقة.
خمسة عجاف هي الشهور التي يقضيها أهل القرية في شح من كل الموارد، حتى الماء يذهبون لجلبه من أماكن بعيدة.
الصبر والقناعة هما أسلوب حياتهم، والأمل الذي يغرسونه دأباً مع كل حبة من "التقاوى" يجعلهم يتفاءلون بأنهم سيُغاثون ويعصِرون بإذن الله.
المدينة قد تكون لهم استراحة قصيرة من التعب، فهم يقصدونها حين يفرغون من المرحلة الأولى من الزراعة بهدف الحصول على عمل مؤقت لتغطية حاجتهم من النقص في مواد الغذاء كالسكر والبن الذي هو محركهم ويعتقدون أنه يمدهم بالنشاط.
"سفروق" هو لقب أحد شباب القرية.. ومعنى سفروق أنه آلة من ضلعين غير متساويين بزاوية منفرجة قليلاً تصنع من أغصان شجر اللالوب وتستعمل في الصيد.. تُصَمَم بشكل يسمح لها بالانسياب والدوران على مستوى يعلو قليلاً عن سطح الأرض وكأنها مروحة، فتضرب أرجل فريستها وتعيقها عن الحركة.
وهذا ما يفعله أيضاً "سفروق" ولكن بمجموعة الكلاب التي يملكها (جيمس، وبوبي) ورفاقهما، وقد جاءت تسميته بهذا الاسم لاهتمامه بالصيد.
على مكان ليس ببعيد، تذخر المنطقة بأعداد كبيرة من الأرانب البرية.. قبل أن تقضي عليها سفاريق و"قرجات" وكلاب القناصين.. ومنهم "سفروق" وكلابه التي يعتني بها عناية تفوق عناية جونسون بالأطفال، فقد كان يطعمها مما يأكل، ويسقيها مما يشرب.. محفزاً لها لتأتيه بالصيد الثمين، وكان حين تشغله لا يأبه لأي أمر يدور حوله حتى الفراغ من إطعامها.
وكانت الأرانب هي الصيد المفضل إليه حتى صارت رمزاً له يوقعه على جدران الأماكن التي يزورها، فلم تسلم جدران كل الغرف التي مكث فيها يوماً من رسمة أرنب يطارها كلب من كلابه.
الصيد عند أهل الصعيد للتسلية أكثر من مغنمهم مما يصطادون.. وأسلحتهم البدائية تخطئ أكثر مما تصيب، وتراهم يضحكون وهم يخطئون الطريدة، ولكن تعجبهم حركة "السفروق" وهو يدور ويهوى غير بعيد عن أنظارهم.
الكلاب تساعد في الصيد بمطاردتها للفريسة ومحاصرتها وإنهاكها فيتمكن صاحبها منها ولا يكون للكلاب حظ منها، ولكن "سفروق" لن يضره شيء حتى ولو أكلت الكلاب كل ما يصطاد وتصطاده هي.
في يوم عاد النفر من رحلة غربية ومعهم عدد من الأرانب التي رأيناها لأول مرة على طبيعتها، فقد كنا نطالعها في كتب المطالعة. فذلك الأرنب المغرور الذي تحدى السلحفاة واستهان بها حين دعته إلى سباق كان لها فيه الفوز المستحق بالمثابرة والإصرار، اليوم قتله غروره أيضاً، بعد ما أغار عليه أهل الصعيد..
حرسوا كل منافذه، وسدوا عليه المداخل والمخارج "النتاقات" التي ظن أنها ستنجيه حين "الزنقة". وكان نصيب أهل القرية ممن حضر قطع "جاربي" يفوح منها طعم السمسم، وُزِعَت بين الأيادي.

ما يجذب الناس للسفر إلى الصعيد، قد يكون حنيناً، أو للطبيعة الساحرة..
الليلة الصعيد طلقن نسايمو الباردة
ذكرني أم ضمير عند الحفائر وارده
الزولة الفي مشيها لي أيدها تالاّ وفاردة
كتفتنى بي قيد هواها ومنى قامت شاردة
وقد يكون السفر لأمر لا بد منه كالعمل مثلاً، فيكون السفر إليه يصنع ألماً لا يشفع لنا فيه كل ما بالطبيعة كسفر الشاعر ود الرضي من "الأسكلا" وهي محطة السفر النهرية الواقعة جنوب فندق «الهيلتون» سابقاً ليتجول بين المحطات جنوباً وهو يتوجع بفراق الحبيب.. قال في قصيدته:
من الاسكلا و حلا.. قام من البلد ولا
دمعي للثياب بلا
بي داهي العذاب حلا.. وبى تذكارو بتسلى
عقلي الذاب و إختلا.. وين بدر التمام هلا
وهناك من يجد بالصعيد حبيباً.. ولن يجد سبباً للرجوع.. فيعبر عن أسباب غيابه:
الفرع البتنَى سلِّم على أهلنا
كان قالوا طولنا دار الصعيد جنة
عوداً إلى الصعيد.. فإنه المنطقة التي تقع جنوباً من أي بقعة. الكلمة تحمل في باطنها الكثير من التعريفات.. وفي الظاهر فإنها المنطقة النائية عن الحضر التي تعيش فيها مجموعات من الناس حرفتهم الزراعة والرعي.
قيل في معنى الصعيد: الأرض، وقيل: الأرض الطيبة، وقيل هو كل تراب طيب.
وفي التيمم: قال سبحانه وتعالى: ((فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)). وكلمة صعيداً طيباً في قاموس كلمات القرآن ترابا. أو وجه الأرض – طاهراً.
وحين نقول: صعيد عرفات (نعني الأرض المرتفعة في عرفة وهو جبل عرفات).
وفي مصر هو مرتفع من الأرض حتى يصل للجنوب فالسطح مرتفع أكتر أى صاعد. ولذلك سمى بالصعيد لصعود سطحه من الشمال ألى الجنوب وهذا يدلل عليه جريان النيل من الجنوب إلى الشمال.
في كتاب فقه اللغة الصعيد الأرض المستوية وفي كتاب الفريد الصعيد المرتفع من الأرض.
وكلمة صعيد تستخدم كثيراً في الكلام.. مثل قولنا: وعلى صعيد آخر، وعلى الصعيد نفسه... وغيرها. إنما هنا المقصود بها (المستوى).
وصعيدنا هنا هو المنطقة التي تعد سفراً من الأبيض انطلاقاً نحو الجنوب بحدود الولاية.
***
الضو عمر حامد حسن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
السفر إلى الصعيد (حكايات)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
إذاعة ولاية شمال كردفان :: قسم الثقافة والأدب والتراث-
انتقل الى: